كتبت بشاير المطيري تقول: بين الشعر والدراسات الأكاديمية فتح صالح الشادي قوسين ليقول :
مرّن ثلاثين علي ..
وكن ما مرّن ..
هذا أنا صالح..
هذا أنا الشادي..
ولكن مختلف جداً
تُرى هل طغت القصيدة في رحلة الشادي الإبداعية على موقفه الأكاديمي؟ وهل كان يعني من عنوان كتابه “سلطة إبليس” أن يضع نفسه في مواجهة تيار الثقافة المحافظة؟ كونه أصدر العديد من الكتب في مجال الدراسات الإسلامية منها”الجن عالم آخر”، “رسول الشيطان”، “إنك ميت”، لكن إصداراته لم تنحصر في مجال معيّن، بل تنوعت مثل كتب المقالات”مساء الأرانب “و”نحو الجادة”، “ضريبة الغباء”، ودراساته في التاريخ “فلسفة الفتوح العربية”و”الغرب والإسلام”، وفي الفكر السياسي”الدولة، نشأتها وتطورها”، وهو بهذا غيّر الفكرة السائدة من أن الشاعر العامي الخليجي يُنظر له كأُمياً متعجرفاً من خلال مستوى ثقافته وتقديمه الكثير من فكره الراقي للقراء؛ فقد طوّر صالح في حركة الشعر.. حتى أصبح رائداً في مدرسة التجديد ، مذ بدأت نجوميته بالظهور في العصر الذهبي للشعر بمنطقة الخليج مع أواخر الثمانينيات من القرن الماضي .
بين ميلاده في عام 1966 وانطلاقته الإبداعية في الثمانينيات، سنوات قليلة لكنها غرست في فؤاده روح التميُز، معجونة برهافة ورومانسية في اللغة، حملها من مسقط مولده مدينة”القريات” في شمال غرب المملكة العربية السعودية، فقال بزهو:
(شمالي ، غير كل الناس..شمالي مختلف جداً)
فقد عاش طفولة سعيدة جداً وصفها بفلسفة قوله”لا زالت مبعث إلهام وتغريد وابتسام”، إن التأثير الإيجابي لطفولته سرمدي .. حماه من إصابته بخيبة أمل بالآخرين .. الذين نظر لهم يوماً بأنهم أنقياء ، ولم يكونوا إلا أنذال أدعياء، لكن القصيدة عوضته عن أمور كثيرة، وكونه يعيش حياة اليتم النفسي.. يرى أن هناك علاقة فيما بين القصيد واليُتم حتى أنها تعّدُ حضنا في بعض الأحيان لليُتم، أما اليُتم والحياة فالاثنان يجمعهما إحساس دائم بالأسى.
فضاءه الحر ومداه .. برز في مجال القصيدة المغناة، على الرغم من أنه يكتب كافة أنواع القصيدة العامية والفصحى، فكتبها-أي المغناة-مختلفة تشبه اختلافه، فكانت وفيّه معه لم تخُن وجهه، حتى قال عنه الموسيقارسامي إحسان “لا شاعر أغنية بعد الخفاجي إلا الشادي”، فقد قدم العديد من الأوبريتات ، وتغنى بقصائده كوكبة من نجوم الغناء العربي، منهم على سبيل المثال محمد عبده، طلال مداح، عبادي الجوهر، عبد الكريم عبد القادر، عبد الله الرويشد، سميرة سعيد، أنغام، أصالة، سميّة قيصر، نادية رشدي، أحلام، رجاء بلمليح، محمد فؤاد، فضل شاكر، والكثير غيرهم.
لكن ليس كل نص يكتبه الشادي يصلح للغناء، لأن النصوص الشعرية تنقسم بين المُغناة والمستقلة برأيه، عن المُغناة قال: “الأغنية تخضع لما يسمى بجزئيات النص من مذهب وكوبليه ومرجع وهي الوحدات المُشكلة لبُنية النص، بالإضافة إلى وحدة الفكرة وخصوصية جناسها وطباقها وتنبيرها، وهو نص ناقص لا يكتمل إلا باللحن والأداء، إلى جانب”المقصودية” في فعل الكتابة”، أما المستقلة فاعتبرها نص آخر مختلف من حيث التركيبة والامتداد والنفس، وهو نص مكتمل سواء تغنى به أم لم يتغنى.
شيء ما بداخل الشادي يحرضه على التأمل والتفكُر، دفعه إلى خوض عالم الفلسفة بدراسته للفلسفة وفي التاريخ تحديد وحصوله على الماجستير والدكتوراه في هذا المجال من الجامعة الأردنية، لكن دراسته لم تنسيه شاعريته المرهفة، يقول: “تعرف الفلسفة لدى أهل اليونان القدامى بأنها البحث عن الحكمة، وهي أصل الترجمة في كلمة فلسفة، وقد يأتي الشعر ضمن هذا التعريف، إذا ما تجاوز الشاعر فيه لغة الأنا”.
ومن مدرسته الإبداعية ابتكر طرقاً جديدةً لممارسة جنونه، بولوجه إلى عالم الفن التشكيلي مداعباً الريشة والألوان مشاركاً في عدة معارض كمعرض الفنون التشكيلية للمناطق السعودية في الرياض عام1984، ومعرض المهرجان الوطني للتراث والثقافة في قرية الجنادرية في العام 1991م وحصوله على العديد من الجوائز والشهادات.
وعلى الرغم من كونه شخصاً مفعماً بالخيال تثار قريحته لكتابة الشعر، إلا أنه رجل منطقي يؤمن بوجود عالم حقيقي دون نبذ الخيالي، لذا عكف على دراسة عالم الجن الذي يثيره فأصدر 8 كتب متعلقة بهذا المجال، وصور 30 حلقة عن الجن لصالح إحدى القنوات الخليجية يقول: “هذا العالم يعتمرنا ونعتمره، نعيش في وسطه ويعيش في أوساطنا”، ويضيف “الكثير من معاناتنا اليومية، الخلافات، الغضب، الحسد، الكيد، لا تأتي من الإنسان النقي، إنها من تأثير بعض كائنات ذلك العالم من الشياطين”، ثم يتساءل”أوليس الأمر جدير بأن يُدرس، وأن يطلّع عليه الناس؟ أعتقد بأن الأمر كذلك”.
ولأن الشاعر يبقى تاريخه مهملاً غير موثق إن لم يصدر دواوين شعرية تتضمن نتاجاته، فقد حرص الشادي على هذه الأمر وأصدر عدة دواوين شعرية مسموعة ومقروءة آخرها “وطن”، الذي يتكون من 300 صفحة عبارة عن أوبريتات وقصائد عن الوطن، مما يدّل على المكانة العالية التي يحملها لوطنه على الرغم من الغربة المكانيّة التي يعيشها، فهو يستقر خارج بلده منذ عدة سنوات، يقول “مكان الوطن الطبيعي ذواتنا وأرواحنا مهما بعُدت بنا المسافات”، ويؤكّد بأنه ليس هناك غربة بالمعنى المفهوم، بل هناك غربة أعمق، ندركها جميعا.. أما الوطن فلا خلاف على حبه، بقوله “لا شيء أغلى من الروح إلا الوطن”.
الشادي الذي يحلق في فضاء الإبداع يحمل عتباً على الأوطان العربية بقوله”أوطاننا لم تظلم المبدعين إنما لم تفهمهم”، وهو يشير على نفسه من حيث لا يدري، فيسخر من عدم تفهُم الأوطان لأهمية المبدعين: “عندما تتحول رؤى المفكر والمثقف من جمل وعبارات تحملها الأسطر إلى واقع مدرك، ملموس، وقتها سنتحدث عن كيفية تفهم أوطاننا لهؤلاء”، ويضيف “المأساة أن هناك مكابرة، وانعدام في حلقات الوصل، وكلٌ في فلك يسبحون.. لذا فلن نحلم بتلك المثالية المنشودة أبداً”، وهو يرى أن”الإبداع أن تأتي بما لم يألفه الآخر ولا يستنكره، الإبداع الحقيقي أن تضُم إليك الآخر لا أن تلغيه”
.هل هناك اختلاف بين مفهومي الأكاديمي والمثقف؟
يوضّح صالح هذا الاختلاف بقوله “الأكاديمي يغرف من بئر واحدة، أما المثقف فلديه ميل دائم إلى تنويع مشاربه”، وهو يرى نفسه “تلميذ لا زلت أتعلم في هذه العجالة التي تسمى عمراً”، فضلاً عن رؤيته الخاصة من أن هناك اختلافاً بين الناظم والشاعر فيقول “الشاعر يولد شاعراً، بطبيعته ومزاجيته وقلقه ورؤيته المغايرة لمفاهيم الحياة والتطور والعلاقات الإنسانية، وهو إما أن يعبّر نظماً أو رسماً أو سلوكاً”، أما الناظم برأيه “عقلاني، وذو قدرة مكتسبة على صناعة الأوزان والقافية، وغالباً ما تكون علاقته بالنص عقلية وليست وجدانية”.
إنسانيته طاغية من خلال قصائده الرائعة التي يستشفها متذوق الشعر دون عناء فيكتب بحزن حتى نكاد أن نسمع صوت نحيبه من بين السطور، كقوله:
“طفران من كل شي..
إلا من الأحزان ، قلبي منترس”
وعن سبب الحزن الذي يسكن قلبه، يبوح بأنه “هو نفس سبب الحزن الذي يسكن قلوب سكان الشرق من هناك إلى هنا”، أما حلمه ف يبدو أن تحقيقه شبه مستحيل “أحلم بالأمن والأمان والسلام”.
الشادي لم يتدرج إعلامياً في بداية انطلاقته بأواخر الثمانينيات حيث ظهر بقوة منذ البداية راسماً خطاً ومنهجاً شعرياً إبداعياً خاصاً به ميّزه عن غيره، لكنه قرر الاختفاء فجأة عن الإعلام في السنوات الخمس الأخيرة، حتى تساءل من حوله هل صالح الأكاديمي انتصر على صالح الشاعر: ” ليس هناك نصر أو هزيمة، كل ما هنالك أن كمية من البوح آن لها أن تفارقني”، ويعلّق بابتسامه “وقد فارقت .. وفقها الله”.
انسحب إبداع”المختلف جداً”على كتابته للمقال الصحفي الأسبوعي فكتب لعدة سنوات في صحف الجزيرة وعكاظ والرياضية ومجلة اليمامة السعودية، كما عمل على تأسيس صفحات الأدب الشعبي في مجلة سيداتي سادتي، ورئيسا لقسم الأدب الشعبي في مجلة اقرأ السعودية، كما عمل كاتبا صحفيا في الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، ورغم بعض التقصير الإعلامي نحوه ، إلا أنه لازال يعتبر أن الإعلام أنصفه إلى آخر مدى قدر عليه.
أما بالنسبة لتجربته في إخراج بعض أغنياته وبعض الأعمال المسرحية فهي ليست حديثة عليه، ويعتبر الإخراج “رؤية وفكرة حركية بصرية”، وقد انجزرؤية إخراجية لقصيدته (الفرج) التي قدمها الفنان عمر عبداللات.
الشادي الشخصية المتفهمة المبدعة في الشعر والثقافة والإخراج أول من فكّر بإصدار مجلة شعرية منذ ما يقارب العشرين عاماً، لكنه لم يُقدم على هذه الخطوة حتى الآن، يوضّح السبب باختصار شديد قائلاً “قاتل الله الكسل” فقط.
بشاير المطيري ، صحيفة الإمارات اليوم ، العدد 12، الجمعة 30سبتمبر 2005