Skip to main content

إن التأمل في ملكوت السماوات والأرض ليس ترفاً فكرياً، بل هو عبادة تصل بالعبد إلى يقين لا يتزعزع، وإيمان يملأ القلب خشوعاً وتعظيماً للخالق العظيم. هذه رحلة نبدأها من المدرك المحسوس إلى المعتقد الغيبي، تستند إلى حقائق العلم الثابتة ونصوص الوحي الصحيحة.

لننطلق من نقطة بدايتنا على هذه الأرض، التي يبلغ قطرها 12,742 كيلومتراً، وكتلتها تقدر بـ 5.97 × 10^24 كيلوجرام. هذه الأرض التي نراها شاسعة الأطراف، ليست سوى ذرة غبار في الكون الفسيح. فشمسنا التي تبلغ كتلتها 1.99 × 10^30 كيلوجرام – أي 333,000 ضعف كتلة الأرض – تتسع لمليون كرة أرضية. والحقيقة المذهلة أن هذه الشمس العملاقة ليست سوى نجم متوسط الحجم في مجرتنا “درب التبانة”.

وتتسع الصورة أكثر عندما نعلم أن مجرتنا تحتوي على ما بين 100 إلى 400 مليار نجم، كثير منها أكبر حجماً وأشد لمعاناً من شمسنا. وليست مجرتنا سوى واحدة من بين تريليونين (2,000,000,000,000) مجرة في الكون المرئي، كما أكدت ذلك بيانات تلسكوب هابل الفضائي. وتمتد هذه المجرات على كون مرئي يقدر قطره بـ 93 مليار سنة ضوئية.

وفي هذا الفضاء الشاسع، توجد “السدم” – مصانع النجوم – وهي سحب هائلة من الغاز والغبار الكوني، قد تمتد لعشرات السنين الضوئية. والسنة الضوئية الواحدة تساوي 9.46 تريليون كيلومتر. هنا يتوقف العلم، ويبدأ عالم الغيب الذي لا تصل إليه أدوات الرصد.

فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود والترمذي: “ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة في أرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة”. وهذا الكرسي هو موضع قدمي الرحمن كما في الحديث، وقد قال الله عنه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255].

والمسافات بين السماوات مهولة، كما في الحديث الصحيح: “بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماءين خمسمائة عام”. والأعجب من ذلك أن حجم السماوات يتضاعف بشكل مذهل، فكما في المسند: “السماء الدنيا في السماء الثانية كدرهم في صحراء، والثانية في الثالثة كدرهم في صحراء” وهكذا.

وعند السماء السابعة توجد سدرة المنتهى، التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: “ورقها كآذان الفيلة، وثمارها كالقلال”. وهنا ينتهي علم المخلوقات.

والقرآن الكريم يفيض بالآيات الدالة على سعة الكون وعظمة الخالق:

· {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] – إشارة واضحة لتوسع الكون الذي اكتشفه العلم الحديث
· {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] – صورة كونية مهيبة
· {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 67]

وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: “إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، ثم يقول: أنا الملك”.

فأين الله من هذا كله؟ هو العلي الأعلى، فوق عرشه، بائن من خلقه، لا يحويه مكان، ولا تدركه الأبصار. وهو مع عباده أينما كانوا بعلمه وإحاطته، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

إن هذه الحقائق لتثير في النفس أسئلة وجودية عميقة: أي عظمة هذه؟ أي قدرة هذه؟ وأي إله هذا الذي نعبده؟ إن الكون بكل ما فيه يشهد بوحدانية الله وعظمته، {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191].

فسبحان من وسع كرسيه السماوات والأرض، وبقدرته قامت السماوات والأرض، وإليه المصير والمآب. إن كل ذرة في هذا الكون تنطق بتسبيح خالقها، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].

صالح الشادي

3/10/2025

للمشاركة: