الخميس 05 فبراير 2026
منذ اللحظة التأسيسية الأولى، تأسس الكيان الصهيوني على مفارقة عميقة: قوة عسكرية هائلة تعيش في حالة قلق وجودي دائم. هذا القلق لم يكن مرَضياً عابراً، بل تحول إلى فلسفة استراتيجية كاملة، مُلخصها أن البقاء في محيط عربي مترامي الأطراف لا يضمنه الجيش ولا السلاح وحدهما، بل يضمنه تحويل هذا المحيط من كتلة متماسكة إلى فسيفساء من الكيانات المتنازعة والمجتمعات المتفككة يسهل إخضاعها والسيطرة عليها.
من هنا، وُلدت الاستراتيجية التفتيتية الطويلة الأمد، التي انتقلت من هواجس أمنية إلى منهجية عمل متعددة المستويات، تعمل في الظل والعلن، مستخدمةً كل الأدوات من السياسة والدبلوماسية إلى الحرب النفسية والهندسة الاجتماعية.
تجلت هذه الرؤية عبر خطاب مزدوج معقد: خطاب الظاهر الذي يقدم «إسرائيل» كدولة ضحية صغيرة على المنابر الدولية، تطلب التعاطف وتتذرع بالأخلاق، وخطاب الباطن الذي يخطط بعمق لإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية والسياسية للمنطقة. اعتمدت الآلية على استثمار التنوع الطبيعي في المجتمعات العربية – الطائفي والإثني والقبلي – وتحويله من مصدر ثراء إلى سلاح للتفجير الداخلي. وشملت الأدوات إشعال النزاعات الحدودية، ودعم الحروب بالوكالة، والإفساد الثقافي عبر إعلام موجّه وبرامج تعليمية تُنتج أجيالاً منفصلة عن هويتها، مع العمل على إقامة شبكات مصالح تربط بعض النخب المحلية بشكل غير مباشر بأجندة التقسيم.
شهدت التسعينيات تحولاً استراتيجياً مهماً، حيث انتقل المشروع من العمل التخريبي المباشر على الدول المجاورة إلى تبني مشاريع إقليمية كبرى تغلف بأغطية إنسانية براقة. تحت عناوين مثل «الشرق الأوسط الجديد» أو «الشرق الأوسط الكبير»، كما ظهر في بعض المؤتمرات المشبوهة تم تسويق أفكار التقسيم بشعارات حماية الأقليات ومكافحة العنف والهجرات الخ. بفضل نفوذ لوبيات مؤثرة في الغرب، تم دفع هذه الرؤية وتحويلها إلى سياسات حكومية، وجدت طريقها للتنفيذ بمشاركة أطراف إقليمية «دول وظيفية « بعضها انخرط بسذاجة تحت شعارات مساعدة المظلومين، والبعض الآخر سعى لمكاسب سياسية أو اقتصادية قصيرة الأمد، بينما قلة أدركت المخاطر الاستراتيجية البعيدة المدى على تماسك الأمة.
وكانت النتيجة المأساوية هي جغرافيا التمزق الواسع التي نعيشها اليوم. من الصومال المقسّم قبلياً إلى السودان المنقسم، ومن العراق وسوريا حيث هددت النزاعات الطائفية والإثنية كيانهما الوطني، وصولاً إلى اليمن وليبيا الغارقتين في حروب أهلية مدمرة، ولبنان الهش بنظامه الطائفي. في كل بؤرة ألم، تظهر بصمات استراتيجية محكمة عملت على تحويل خطوط الاختلاف الطبيعي إلى هوات سحيقة للصراع الدائم، مما أنتج واقعاً يستنزف طاقات الأمة ويحولها إلى ساحة ضعف دائم، وهو الهدف الإستراتيجي الأسمى: ضمان بقاء الكيان الصهيوني في محيط عاجز عن تشكيل تهديد موحد أو مشروع تحرري جامع.